زعامة وقيادة بقلم/ احمد جلال عبدالرحمن

هناك فارق كبير بين القيادة والزعامة. فالقيادة قد يمنحها المنصب، وقد تصنعها القوانين واللوائح، أما الزعامة فلا يمنحها أحد؛ لأنها تُولد من ثقة الناس، وتُصاغ بالمواقف، وتُختبر في ساعات الشدة قبل أوقات الرخاء.
القائد قد يدير دولة أو مؤسسة، لكن الزعيم يترك أثرًا يتجاوز حدود المنصب والزمن. القائد يُطاع بحكم السلطة، أما الزعيم فتتبعه القلوب قبل أن تتحرك خلفه الصفوف. فالقيادة مسؤولية، أما الزعامة فهي رسالة، وتضحية، وتاريخ يُكتب بأفعال أصحابه لا بألقابهم.
وحين نتأمل تاريخ الأمم نجد أن الزعماء الحقيقيين ليسوا بالضرورة أكبر الناس سنًا، بل أكثرهم قدرة على حمل الأعباء، واتخاذ القرار في اللحظات المصيرية. لذلك لا تُقاس الزعامة بعدد السنوات، وإنما بوزن المواقف، وحجم التحديات، وما يتركه أصحابها من أثر في حياة شعوبهم.
ومن الشخصيات التي يراها كثيرون نموذجًا للزعامة في التاريخ العربي الحديث جمال عبد الناصر، الذي تولى قيادة مصر وهو في السادسة والثلاثين من عمره، بعد سنوات من العمل العسكري والسياسي. وفي مرحلة كانت المنطقة تعيش فيها تحديات الاستعمار والنفوذ الأجنبي، تبنى مشروعًا للاستقلال الوطني، وبناء الدولة، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وهي سياسات لا يزال تقييمها محل نقاش بين المؤيدين والمنتقدين.
وخاض عبد الناصر مواجهات مع قوى داخلية وخارجية، ودخل في صدامات مع تيارات سياسية مختلفة، كما واجه نفوذ الإقطاع، واتخذ قرارات مصيرية غيّرت مسار المنطقة. وكان حضوره في خطاباته استثنائيًا، إذ استطاع أن يخاطب وجدان المصريين وقطاعات واسعة من الشعوب العربية، داعيًا إلى الوحدة والقوة والاستقلال، حتى أصبحت خطاباته جزءًا من الذاكرة السياسية لجيل كامل.
ومهما اختلفت المواقف من تجربته، فإنها تذكرنا بحقيقة ثابتة: أن الزعامة لا تُشترى، ولا تُورث، ولا تُمنح بقرار، وإنما تُبنى بالتضحيات، وتترسخ بالمواقف، ويخلدها التاريخ لمن يترك أثرًا يتجاوز حدود حياته.
فالقيادة قد تنتهي بانتهاء المنصب، أما الزعامة فتبقى حاضرة في ذاكرة الشعوب، يستدعيها الناس كلما بحثوا عن قائد يحمل همَّ وطنه قبل همِّ نفسه، ويضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار، ويسعى إلى الكرامة والعدالة وسيادة القرار الوطني.
وبالنسبة لمحبيه، فإن رحيل جمال عبد الناصر لم يُنهِ حضوره في الذاكرة العربية، بل بقي رمزًا للشموخ والكبرياء الوطني والنضال، يستلهمون من سيرته معنى القيادة حين تقترن بالإيمان بالمشروع، والزعامة حين تُصنع بالمواقف لا بالمناصب.

Share this content:

You May Have Missed