حبيب السنان سكرتير المجلس الرئاسي لـ #حزب_المحافظين يكتب✍: ⬛ضد الثنائيات: لماذا لا أختار؟

كلما قلت إنني ليبرالي ومحافظ في الوقت نفسه، استقبلني السؤال ذاته: ولكن من أنت بالضبط؟
يأتي السؤال أحيانًا بنبرة فضول، وأحيانًا بنبرة استنكار، وأحيانًا أخرى بشفقة على إنسان يبدو أنه لم يحسم أمره بعد. والحقيقة أن السؤال نفسه يحمل افتراضًا صامتًا، هو أن الليبرالية والمحافظة طرفان متضادان، وأن من يجمع بينهما إنما يتذبذب أو يخـ ـادع أو يقصّر في الفهم.

وأريد هنا أن أناقش هذا الافتراض ذاته، لا أن أدافع عن موقفي الشخصي؛ لأن السياسة المصرية، في تقديري، تدفع ثمنًا باهظًا لقبول هذا الافتراض دون تمحيص أو تدبر.

نشأت السياسة المصرية الحديثة على ثنائيات حادة: ديني أو علماني، أصيل أو مستورد، تقليدي أو حداثي، يميني أو يساري. وقد أربكتنا هذه الثنائيات أكثر مما أرشدتنا؛ إذ اختزلت الواقع المصري المركب في خيارات مغلقة، وأجبرت كل تيار على أن يعرّف نفسه بما يخالفه أكثر مما يؤمن به. والنتيجة أن خطابنا السياسي تحوّل إلى سلسلة من الجدالات المتنافرة، فيصعب أن نجد فيه فكرة قائمة بذاتها، لا تستمد وجودها من نفي فكرة أخرى.

والمشكلة ليست في أن الثنائيات خاطئة دائمًا؛ فبعضها مفيد في التحليل. لكن المشكلة أننا حوّلناها إلى قفص نحبس داخله أنفسنا، فلم نعد نتخيل أن ثمة مواقع أو توجهات ثالثة، أو أن الواقع نفسه أعقد من أن يستوعبه طرفان متناقضان.

ولذلك، حين أقول إنني ليبرالي، فأنا لا أعني الليبرالية المتطرفة التي تحوّل الفرد إلى مطلق لا يحاسبه أحد، ولا تعرف الحرية إلا بوصفها رغبة. كما لا أعني الليبرالية المستوردة التي تأتي بنماذجها جاهزة كأنها قطع غيار، فتفرض على المجتمع المصري قوالب صيغت لمجتمعات أخرى وتاريخ آخر. بل أعني ليبرالية تجعل الفرد محورًا، وتحترم اختياره وعقله وكرامته، وتؤمن بحقه في أن يحيا حياته الخاصة كما يشاء ما دام لم يضر غيره. وهي ليبرالية ترفض وصاية الدولة على الضمائر وتصرفات الأفراد، وتنحاز إلى الحرية بوصفها قيمة مؤسسة، لكنها تدرك أن الحرية ليست انفلاتًا، وأن الفرد المنزوع من سياقه الاجتماعي ليس حرًا، بل تائهًا.

وفي هذا الموقع أجد نفسي امتدادًا لتقليد فكري مصري بدأه أحمد لطفي السيد، الذي علّمنا أن الليبرالية ليست قطيعة مع المجتمع، بل اشتباكًا معه. فهو نفسه الذي نادى بحرية الفرد، ودافع في الوقت ذاته عن اللغة والهوية وروح الأمة، ولم يرَ في ذلك تناقضًا؛ لأنه لم يستورد فكرته جاهزة، بل صاغها من داخل تربتها.

وحين أقول إنني محافظ، فأنا لا أعني محافظة الجمود التي تخاف من كل جديد فترفضه، ولا محافظة الخـ ـوف التي تتحصن خلف الماضي كأنها تحرس قبرًا. وإنما أعني محافظة تعتبر الهوية ميراثًا حيًا لا متحفًا يُحرس، وهوية تتطور وتستوعب وتنقد ذاتها، لكنها لا تتنكر لجذورها ولا تخجل من تاريخها.

كما أن المحافظة التي أؤمن بها تعرف أن المجتمعات لا تُبنى من الصفر في كل جيل، وأن ثمة تراكمًا من القيم والأعراف والتقاليد لا يصح تجاهله، حتى حين نختلف مع بعضه. وهي ليست عـ ـدوًا للتغيير، بل إصرارًا على أن يحدث التغيير دون كسر. فهي تفرّق بين الإصلاح الذي يبني على ما هو قائم، والقطيعة التي تهدم لتعيد التأسيس من نقطة الصفر، وتعرف من تجربة التاريخ أن القطائع الكبرى نادرًا ما تنتج ما وعدت به، وأن الثمن الذي يدفعه المجتمع فيها أعلى بكثير من المكسب.

وهنا تأتي النقطة التي لا يُحسن السؤال طرحها: الليبرالية والمحافظة لا تنتميان إلى المحور نفسه أصلًا.
فالليبرالية موقف من الحرية، تجيب عن سؤال: ما حدود سلطة الجماعة على الفرد؟
أما المحافظة فهي موقف من الزمن، تجيب عن سؤال: ما علاقتنا بما ورثناه؟
سؤالان مختلفان: علاقة الفرد بالجماعة؟ ، وسؤال عن علاقة الأصالة بالمعاصرة؟. ومن ثم فالإجابتان مستقلتان، ويمكن أن تجتمعا في موقع واحد دون أن تتعارضا.

فالحرية بلا جذور تشرّد، والجذور بلا حرية تختنق. والفرد الذي لا ينتمي إلى تراث لا يعرف على أي شيء يقف ليمارس حريته، والتراث الذي يحرس ذاته بقمع الحرية يتحول إلى صنم يفقد روحه قبل أن يفقد شكله.

لذلك، فإن ما نطرحه في حزب المحافظين ليس مزجًا بين متناقضين، بل تركيب بين بُعدين مختلفين. نحن لا نقف في منتصف الطريق بين تيارين، بل نقف على أرضنا ونرى الطريقين منها.

وما يدعم هذا الموقع، في تقديري، أن مصر نفسها لم تُبنَ يومًا على هوية واحدة نقية. فالحضارة المصرية تركيب أصيل تعددي، تراكمت طبقاته عبر آلاف السنين: مصرية قديمة، وقبطية مسيحية، وإسلامية، وشرقية ومتوسطية، وعربية وأفريقية. وكل طبقة أضافت ولم تُلغِ ما قبلها. وحين يطالبنا أحد اليوم بأن نختار هوية واحدة نتحصن خلفها، فإنه يطلب منا أن نخون التاريخ الذي صنعناه وصنعنا به.

ومن هنا، يصبح النموذج المصري الأصيل في ذاته نموذجًا محافظًا ليبراليًا بطبيعته: محافظًا على هويته المركبة، وليبراليًا في انفتاحه على ما يستوعبه ويهضمه. لم يكن جامدًا، ولم يكن تابعًا، وهذه هي المدرسة التي يستند إليها حزبنا، وهذا هو الميراث الذي نعتبره أرضنا الفكرية.

لقد اخترتُ هذا الموقع لا لأنه وسطٌ مريح، بل لأنه أصدق المواقع مع نفسي ومع بلدي. وعلي عكس المتداول فالمواقع الوسطى أصعب من المواقع الطرفية، لأنها لا تمنحك راحة الشعار، وتطالبك في كل لحظة أن تبرر اختيارك من جديد. لكنها أيضاً المواقع التي تبني، لأنها تعرف أن السياسة فنُّ الممكن، لا طريق التطـ ـهّر، فن الإصلاح لا طريق النفرة والعنـ ـف.

بقِيَمِنا الليبرالية نتحرك إلى الأمام، وبأصولنا المحافظة نقف بأقدام راسخة.
وهذه ليست عبارة نزيّن بها خطابنا، بل هي أقصر تعبير أعرفه عن معنى أن نكون مصريين في هذة اللحظة.

Share this content:

You May Have Missed