حصريا فقط ولاول مرة فى شئون البلاد, رئيس حزب المحافظين بين الماضر والحاضر”أكمل قرطام يكتب✍ ⬛… إيران و ألمانيا و غـ ـزة”
في محاولةٍ للابتعاد عن السَّفاهات والتَّفاهات والإزعاج ، و حتّى لا أفقد هدوءَ النَّفس ، و نقاءَ السَّريرة ، و حِدَّةَ البصيرة .. أشيحُ بنظري بعيدًا ، و أتابعُ بعضَ الأحداث خارجَ حدودِ البلاد … فوجدتُ أنَّ ألمانيا قد فشلت في الحصول على مقعدٍ في مجلس الأمن من ضمن عشرة مقاعد منتخبة لصالح البرتغال و النمسا، الأمر لم يكن مجرد منافسة انتخابية، إنما أصوات عقابية، احتجاجًا من غالبية أعضاء الجمعية العمومية للأمم المتحدة على موقفها المؤيد للعـ ـدوان الصـ ـهيـ ـوني على غزة، و الذي اعتُبر بمثابة خيانةٍ لميثاق الأمم المتحدة و القانون الدولي.
على مدار عقودٍ طويلة تعرض الشعب الفلسطـ ـيني لمـ ـجازر و قتل و تدمـ ـير، تصاعدت وتيرته خلال الفترة الحالية ، حيث قتـ ـل الصـ ـهايـ ـنة أكثر من 90 ألف فلسـ ـطيني من المدنيين و النساء و الأطـ ـفال، فضلًا عن تدميرهم الممنهج للبنية التحتية و المرافق الأساسية اللازمة للحياة الآدمية، حتى المدارس و المستشفيات لم تسلم من الضـ.ـرب عمدًا، في أكبر عملية تطهير عنصري عرقي في العصر الحديث، استهدفت نساءً و أطـ ـفالًا عُزّلًا، بخلاف ما خلفته من جـ ـرحى.
أظهرت برلين في البداية موقفًا يتماشى نسبيًا مع القوانين الدولية في إدانة الإبادة، لكنها سرعان ما انقلبت عليه و شرعت في تبرير الإبـ ـادة العرقية، متماهيةً مع اجـ ـرام الصـ ـهايـ ـنة ضد ضـ ـحايا المجزرة في غـ ـزة. لا اعتقد ان عقدة الذنب الناجمة عن دورها في المحرقة اليهودية هي السبب وراء موقفها، و الجيل الألماني الحالي ليس مسئول عنها ، و إنما ابتـ ـزاز الصـ ـهاينة لها عبر استغلال هذه “البطحة التاريخية”. و الدليل على ذلك أن ألمانيا سبق أن ارتكبت ممارسات مماثلة بحق أعدادٍ أكبر من السكان في أفريقيا إبان استعمارها لبعض مناطقها، و مع ذلك لم تُظهر أي مواقف مساندة لشعوب الدول التي تعرض أبناؤها للإبادة على ايدي جيل الماني اسبق .
الشاهد أن ألمانيا فشلت في الحصول على مقعد المجلس بالانتخاب ضمن المقاعد المنتخبة العشرة عقابًا لها على موقفها من غزة، ما زعزع موقفها داخليًا، و هي التي دأبت على المطالبة بمقعدٍ دائم مثلها مثل إنجلترا و فرنسا، و مع ذلك لا يمكن إنكار الأزمة التي تمر بها هيئة الأمم المتحدة، من ضعفٍ و شكٍّ في شرعية قراراتها بصفة عامة.
ولعل السبب الرئيسي لهذا الضعف هو أداء الدول الغربية، و على الأخص الولايات المتحدة، نتيجة سوء استخدامها لحق النقض (الفيتو) دون مراعاة للمسؤولية العالمية و الأخلاقية المترتبة على ممارسته، ما أدى إلى شلل فاعلية مجلس الأمن في حسم القضايا الدولية الخطـ ـيرة و المهمة، ما تسبب في فقدان مصداقيته لدى دول و شعوب العالم ، وأظهر بوضوح عدم قدرة النظام العالمي الحالي على الاستمرار بهذه الصورة أبدا ، و هو النظام الذي قام على أساس التحالفات و الأوضاع الجيوسياسية التي أفرزتها الحرب العالمية الثانية والتي طرًأ عليها تغيرات جوهرية .
و مع ذلك، تبقى محاولات إدخال تعديلات على نظام الأمم المتحدة القائم مستبعدة حاليًا بسبب حالة السيولة التي يشهدها العالم، و عدم تبلور التوازنات و التحالفات الجيوسياسية المستقرة المحتملة، و التي ستتوقف على نتائج صـ.ـراعات لا تزال دائرة حتى الآن و تزداد .
فعلى سبيل المثال، لا أحد يستطيع التنبؤ بالمسار النهائي الذي ستؤول إليه الحـ ـرب الأمريكية الإيرانية، و التي سيكون لها تأثير كبير في قواعد النظام العالمي الجديد. فالمتغيرات عديدة، سواء ما يتعلق بالرأي العام الأمريكي الداخلي الذي سيتبلور في انتخابات الكونغرس المقبلة، أو بقدرة إيران على الاستمرار في تطبيق استراتيجية التصعيد و الحفاظ على تماسكها مع حلفائها فيما يُعرف بـ”نظرية وحدة الساحات” كلها متغيرات تلعب دورا في مصير هذا الصراع .
أقول إنه من المؤكد أن نتائج هذا الصراع سوف تُلقي بظلالها على شكل النظام العالمي الجديد، و الذي لا مناص من نشوئه، و لو بعد حين.
و من ناحيةٍ أخرى، فإن تطورات الحـ ـرب بين روسيا و أوكرانيا سوف يكون لها أيضًا تأثير لا يمكن إغفاله على مآل و ملامح النظام العالمي الجديد، و الذي لا بد قادم، و هي حـ ـرب تبدو صفرية حتى الآن، و إن كنت أظنها سوف تنتهي باتفاقٍ فيه تنازلات من الطرفين، ذلك أن البديل سوف يكون خطيرًا ليس فقط على كييف و موسكو، بل على الغرب و الشرق كله.
و المفاجآت، مهما بلغت دقة التوقعات، تظل محتملة، و على سبيل المثال إمكانية لجوء الكيان لخيارٍ بائس مثل خيار “شمشون”.. و نحن في المنطقة العربية لا نملك خيارات إلا انتظار نهاية المباريات، ثم اتباع الكسبان…. كالمعتاد.
Share this content:


إرسال التعليق
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.