⬛منظومة الصمت والترهيب ✍محمد تركي: عضو المجلس الرئاسي بحزب المحافظين

في زمنٍ تتواتر فيه الشهادات عن التحرش والاغتـــ.صاب، وعن ممارسات جنســـ.ية قسرية، واستدراج قاصرات، واستغلالٍ ممنهج للهشاشة النفسية لنساء سبق تعنيفهن، لم يعد مقبولًا أن نتعامل مع ما يحدث بوصفه استثناءً عابرًا.

فالتواتر هنا ليس مصادفة، وليس موجة عابرة، وليس مؤامرة تشويه، التواتر دليل … دليل على وجود نمط، وعلى منظومة تسمح، وتغضّ الطرف، وتلوم الضحية، وتدافع عن الجاني.

المشكلة لا تكمن في الجريمة ذاتها فقط، بقدر ما تكمن في البيئة التي سمحت بتكرارها، ودفعت الضحايا إلى الصمت، ومنحت المجرم فرصة الاستمرار في حياته بصورة طبيعية تمامًا: في عمله، وسمعته، ومكانته الاجتماعية، وكأن شيئًا لم يكن.

كل شهادة جديدة لا تروي حكاية أذى فردي فحسب، بل تكشف فراغًا هائلًا في مسارات الإبلاغ، وفي آليات الحماية، وفي الثقة، وفي العدالة، وهذا الفراغ ليس بريئًا.

🛑لماذا تصمت الضحايا؟

ليس لأنهن “يردن ذلك”، ولا لأنهن “مستفيدات”، ولا لأنهن “يبالغن” بل لأن السؤال الأول الذي يفرض نفسه عليهن ليس: ماذا سيحدث للجاني إن أبلغت؟

بل: ماذا سيحدث لي أنا إن أبلغت؟

والإجابة في الغالب، واضحة وقاسية:

الفضح، والتشكيك، والمحاكمة الأخلاقية، والأسئلة المهينة: لماذا كنتِ هناك؟ لماذا صمتِّ؟ لماذا ارتديتِ؟ لماذا وثقتِ؟
ثم الخسارة: العمل، والسمعة، والإحساس بالأمان.

نحن نطالب الضحية بشجاعة خارقة داخل مجتمع يحاكمها منذ اللحظة الأولى، ثم نتعجب من اختيارها للصمت، والحقيقة أن الصمت هنا ليس ضعفًا، بل يكون أحيانًا آلية للبقاء.

واحدة من أخطر الإشكاليات أننا نتعامل مع الضحية وكأنها مطالبة بأن تكون “مثالية”، رد فعل مضبوط، توقيت مضبوط، لغة محسوبة، ماضٍ بلا شُبهات، وحاضر بلا تناقضات، وأي خروج عن هذا القالب يُقابل فورًا بالتشكيك: الشهادة “غير مريحة”، “غير مقنعة”، “تشوبها شبهة”، كأن للألم بروتوكولًا محددًا، وكأن للصدمة كتالوج بينما الحقيقة أن الصدمات تُربك، وتكسر السرد، وتؤخر البوح، وقد تخرج في صورة متناقضة، ومن يطالب بضحية مثالية، غالبًا لا يبحث عن العدالة، بل عن راحته النفسية.

والحقيقة أيضًا أن إنشاء مسارات إبلاغ تضمن الأمان والسرية للضحايا ليس ترفًا، ولا تشجيعًا على الفوضى، ولا تهديدًا لسمعة أحد، إنه الحد الأدنى الذي يُفترض في أي مجتمع يدّعي محاربة العنــ.ف.

والمسار الآمن يعني:
سرية حقيقية، لا مجرد وعود شفوية.
وضمانات فعلية للحماية من الانتقام الوظيفي أو الاجتماعي.
وفرقًا مدرّبة تستقبل الشكاوى دون تشكيك أو استجواب مهين.
وإتاحة بدائل للمسار الجنائي التقليدي لمن لا يستطعن تحمّل كلفته النفسية والاجتماعية.
فليست كل الضحايا تبحث عن محكمة، لكن كل الضحايا تبحث عن الأمان.

🛑وماذا عن الجاني؟

العدالة لا تختزل في السجن وحده، العدالة مسؤولية وظيفية، ومجتمعية، وقانونية. أي أن من يستغل موقعه المهني يجب أن يُجرد منه، ومن يستغل سلطته الاجتماعية يجب أن يفقدها، ومن يكرر الأذى يجب أن يُحاسب قانونيًا دون حماية باسم السمعة أو التاريخ. فالعقوبة ليست انتقامًا، بل رسالة واضحة: أن للأذى ثمنًا حقيقيًا، وأن المجتمع ليس مظلة أمان للمعتدي.

في النهاية، كثرة الشهادات ليست خطرًا. إن الخطر الحقيقي هو تجاهلها، أو تمييعها، أو تحويلها إلى معركة أخلاقية ضد الضحايا. ما نحتاجه ببساطة هو أن نصغي، وأن نبني أنظمة تحمي، وأن نُحاسب بجدية، لأن الصمت الذي فُرض في السابق هو ما سمح بتكرار هذه الجرائم، وأي مجتمع يختار الراحة بدل المواجهة، يختار أن يدور في الدائرة ذاتها… لكن بعدد ضحايا أكبر.

#هل_فضحت_متحرش_اليوم

Share this content:

You May Have Missed