الوعي الإلكتروني بقلم: أحمد جلال عبدالرحمن
الوعي الإلكتروني
لم يعد الأمن يقتصر على الأبواب الموصدة، ولا على الأسوار العالية، فالعالم الرقمي غيّر مفهوم الحماية والخصوصية. فالبيوت التي كان الناس قديمًا لا يجرؤون حتى على المرور أمامها هيبةً واحترامًا، اخترقتها اليوم الهواتف الذكية وشبكات الإنترنت، فأصبحت الخصوصية تُستباح، ودخلت المؤثرات إلى داخل كل بيت، إلا من رحم الله.
لقد أصبحت الشاشة ضيفًا دائمًا في كل منزل، تحمل الخير كما تحمل الشر، وتنقل العلم كما تنقل الجهل، وتفتح أبواب المعرفة كما تفتح أبواب الفتن والشائعات. ومن هنا لم يعد السؤال: ماذا يدخل إلى بيوتنا؟ بل أصبح: ماذا يدخل إلى عقول أبنائنا وقلوبهم؟
إن الخطر الحقيقي لم يعد في الجدران أو الأبواب، بل فيما يُبث عبر الشاشات من أفكار، ومفاهيم، وترندات، وسلوكيات قد تُغيّر هوية الإنسان وقيمه دون أن يشعر. فغياب الوعي الإلكتروني يجعل الإنسان فريسة سهلة للتضليل، وللشائعات، وللابتزاز، وللأفكار المنحرفة، وللمحتوى الذي يهدم الأخلاق ويضعف الانتماء.
ولذلك فإن غياب الوعي لا يهدد الفرد وحده، بل قد يقوده إلى التفريط في دينه، والإساءة إلى أهله، والإضرار بنفسه، والإخلال بواجبه تجاه وطنه، وهو يظن أنه يحسن صنعًا. فكم من كلمة أشعلت فتنة، وكم من إشاعة هزّت مجتمعًا، وكم من محتوى أفسد فكرًا، أو أسرة، أو مستقبلًا.
إن الوعي الإلكتروني لم يعد رفاهية، بل أصبح ضرورة دينية وأخلاقية ووطنية. فهو خط الدفاع الأول عن الأسرة والمجتمع، وهو السلاح الحقيقي في مواجهة الفوضى الفكرية والحروب الرقمية التي تستهدف العقول قبل الأوطان، وتهدد بتدمير أجيالٍ متعاقبة.
وحتى ننقذ ما تبقى، فلا بد في أقرب وقت من إطلاق مبادرة وطنية منظمة يقودها أهل الدين والعلم والوعي، بمشاركة الأزهر الشريف، ووزارة الأوقاف، والمؤسسات التعليمية والإعلامية، وجميع السادة المعلمين، والأطباء، والمهندسين، والمحامين، وخطباء المنابر، والإعلاميين، والأكاديميين، وكل صاحب علم وخبرة ووعي، بحيث يقدم كلٌ منهم رسالته من زاوية تخصصه، وباللغة التي تصل إلى الناس وتؤثر فيهم.
إن معركة الوعي لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى، وحماية العقول مسؤولية كبرى مشتركة. ومن هنا ندعو الجميع إلى الإسهام في نشر الوعي عبر مقاطع الفيديو، والمنشورات، والمقالات، واللقاءات، ومنصات التواصل الاجتماعي، وشاشات التلفاز، والبرامج الإعلامية، بصورة مستمرة ومنظمة، لترسيخ القيم الصحيحة، ومواجهة الشائعات، وتعزيز الانتماء، ونشر المعرفة النافعة، وتعليم الاستخدام الرشيد للتقنية، ووضع الكلمة في موضعها الصحيح، حتى تكون وسيلة للبناء لا للهدم.
فالكلمة الصادقة قد تحمي أسرة، والمعلومة الصحيحة قد تنقذ شابًا، والنصيحة المخلصة قد تحفظ وطنًا. إن بناء جبهة وعي قوية لم يعد خيارًا، بل أصبح واجبًا دينيًا ووطنيًا وأخلاقيًا، وزكاةً للعلم، وأداءً للأمانة التي حمّلها الله لكل صاحب علم.
إن معركة هذا العصر هي معركة وعي، ومن انتصر فيها حفظ دينه، وأسرته، ووطنه، ومستقبل أجياله. فالوعي الإلكتروني لم يعد خيارًا، بل هو ضرورة لبقاء المجتمعات وصون هويتها في زمن أصبحت فيه الشاشات تدخل كل بيت دون استئذان. وكما أصبح استخدام التقنية ضرورة لا غنى عنها، فقد أصبح من الضروري أيضًا أن يكون استخدامها استخدامًا واعيًا ومسؤولًا، يبني ولا يهدم، ويعمر ولا يدمر، ويقود إلى الفضيلة والخير والإبداع، لا إلى العنف أو الرذيلة أو ضياع الهوية.
حفظ الله مصر، وسائر أوطاننا العربية والإسلامية، وألهم أبناءها الوعي والحكمة، وجعل الكلمة الصادقة نورًا يهدي العقول، ويحفظ الأوطان، ويبني الإنسان.
بقلم: أحمد جلال عبدالرحمن
Share this content:




إرسال التعليق
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.